ضفاف
 علي عبيد
رسائل قيد التسليم
 
من الغريب جداً، أن تلسعك سمكة، لكن الأغرب من ذلك هو أن يموت أي شخص - خصوصا ايروين - بلدغتها، إذ أن ذلك لا يحدث كثيراً إلا إذا وضع الشخص قدمه على السمكة واقترب كثيرا منها·
 هذا ما قاله (شون كولين) من جامعة (كوينز لاند) معلقاً على وفاة المليونير الإسترالي (ستيف ايروين) متأثرا بلسعة شعنين بحري (لخمة) أصابته في صدره محدثة ثقباً صغيراً في قلبه بينما كان يغطس قبالة ساحل استراليا الشمالي الغربي·
لو كان (ايروين) شخصاً عادياً قليل الخبرة بالبحر وكائناته لما استغربنا الطريقة التي مات بها، لكن (ايروين) اكتسب شهرة عالمية في مجال صيد التماسيح وغيرها من الكائنات البحرية الفتاكة، لذلك كان موته متأثراً بلسعة (لخمة) أثناء تصوير فيلم وثائقي تحت الماء صدمة لكل أصدقائه والذين يعملون معه، وللجمهور العريض الذي عرفه من خلال سلسلة الأفلام الوثائقية (صائد التماسيح) التي عرضتها قناة (أنيمال بلانت) التلفزيونية ولقيت إقبالاً جماهيرياً كبيراً في كل أنحاء العالم·
بدأت شهرة (ستيف ايروين) عندما قدم برنامجاً يظهر فيه وهو يقترب بجرأة من الحيوانات الخطرة، ثم اتسع نطاق شهرته عالميا عام 1992 بعد تسجيل فيلمه الأول >صائد التماسيح( الذي بثته قناة )ديسكفري( المتخصصة في أفلام البيئة والطبيعة، لكن سلسلة الأفلام الوثائقية توقفت عام 2004 إثر الانتقادات التي واجهها ايروين بعد أن ظهر على شاشة التلفزيون محتضناً ابنه المولود حديثاً وهو يقدم دجاجاً نافقاً لتمساح يبلغ طوله أربعة أمتار· وقد قام ايروين بذلك أمام أعداد من المشاهدين الذين دفعوا مبالغ مالية ليحضروا هذا المشهد الذي تناقلته محطات التلفزيون في مختلف أنحاء العالم وجعل الناس يتساءلون عما إذا كان ايروين قد فقد صوابه، رغم محاولته تبرير هذه الخطوة برغبته في توعية الناس بمخاطر الطبيعة·
أكثر من عبرة تلك التي تحملها حادثة موت صائد التماسيح (ستيف ايروين) بلسعة (لخمة) يتَعرّض لها الكثير من أطفال سكان المناطق الساحلية أكثر من الكبار دون أن تؤدي إلى موت أي منهم، خاصة لأولئك الذين تغرهم قوتهم فينسون المعادلة التي لا تفتأ السماء تُذكِّر بها سكان الأرض· صحيح أن ايروين كان صديقاً حميماً للبيئة، وقد جلب الفرح لقلوب ملايين الناس من خلال أفلامه ومغامراته كما وصفه رئيس الوزراء الأسترالي (جون هوارد) الذي قال إنه (صُعِق) لدى سماعه خبر وفاة (ايروين البالغ من العمر 44 عاماً) التي لم تكن في موعدها ولم تكن متوقعة(!
تُرى من يستطيع أن يحكم أن وفاة ايروين )لم تكن في موعدها( وأن وفاة أي إنسان في هذا الكون) لم تكن متوقعة؟
يحدث كثيراً أن نشعر بالأمان أكثر مما يجب فنطلق العنان لأنفسنا حتى لا نعود نتذكر أن هناك نواميس كونية لا يمكن كسرها· وربما يكون هذا ما حدث بالضبط لبطل قصتنا هذه عندما اقترب كثيراً من ذلك الكائن البحري معتمداً على تاريخه في صيد التماسيح والتعامل مع الحيوانات الخطرة، ولأن نواميس الكون لا تسمح بالتفكير في كسرها أو التمادي في إلغائها أو تجاهلها أو حتى الإيحاء بأنها قابلة للكسر فقد حدث ما حدث لتُكتب لصائد التماسيح هذه النهاية الحزينة·
تُرى كم (ستيف ايروين) يعيش بيننا لا يتوقع أحد وفاته أو يعتقد إذا ما حدثت هذه الوفاة أن موعدها لم يحن بعد؟
     ثمة رسائل ليس بالضرورة أن تصلنا على صناديق بريدنا أو أن يطرق أبوابنا سعاة البريد كي يسلّموها لنا بأيدينا· ومع ذلك علينا أن نتوقعها وأن نكون
X
تساعدنا ملفات تعريف الارتباط في تحسين تجربة موقع الويب الخاص بك. باستخدام موقعنا، أنت توافق على اسخدامنا لملفات تعريف الارتباط.