الأخيرة
 
هندسة الرأي... كيف؟
 
 ‎‎
 ‎بقلم: عائشة سلطان‎ ‎‎ 

‎قد يبدو العنوان غريباً للوهلة الأولى، لكننا ونحن نعيش عصر هيمنة الإعلام بجدارة، يمكننا تفهم  ‏العنوان جيداً، في إطار الإنجازات المذهلة للدعاية والإعلام والسيطرة الكاملة على الرأي العام، من  ‏خلال ثقافة الصورة وصناعة الخبر، ولعل المفكر السياسي الأميركي المعارض لسياسات بلاده (نعوم ‏‏ تشومسكي) من أكثر الأشخاص استفاضة واستدلالاً عند الحديث عن هيمنة الإعلام خاصة في النظام ‏الديموقراطي الأميركي.‏‎
 ‎هل هناك ديموقراطية بمعنى الحرية غير المقيدة كما نتصور؟ بمعنى هل هناك مجتمع ديموقراطي ‏‏ حقيقي، يتمتع فيه الناس بوسائل المشاركة بطريقة حرة في إدارة شؤونهم وبوسائل إعلام حرة ومنفتحة‏ كما هو وارد في تعريف الديموقراطية في المعاجم السياسية المتداولة؟‎ ‎أُستاذ اللغويات في معهد التكنولوجيا في ماساتشوستس في الولايات المتحدة نعوم تشومسكي، ينفي ذلك  ‏نفياً قاطعاً، مؤكداً أن الديموقراطية المتداولة في المجتمع الأميركي، كما يراها ويتتبعها تاريخياً، هي  ‏تلك القائمة على منع الشعب من إدارة شؤونه بنفسه، وإبقاء الإعلام تحت هيمنة إدارات رسمية،   ‏مرتبطة بدوائر الحكم والمتنفذين الذي يقبضون على الإعلام، ويوجهونه وفق ما تراه الإدارة والنخب ‏‏ الحاكمة والمستفيدة.!‏‎ ‎قد يبدو لنا جميعاً، أن هذا التصور صادم جداً ومناف لما اعتدنا على ترديده حول ديموقراطية الغرب ‏‏ وحرية الإعلام الأميركي، لكن الناشط والمعارض الأميركي يؤكد أن هذا هو المفهوم السائد فعلاً في ‏‏ الديموقراطية الأميركية، وهو مفهوم سائد ومعمول به منذ زمن بعيد عملياً ونظرياً، ويرجع ربما إلى ‏‏ أقدم ثورة ديموقراطية حديثة في بريطانيا في القرن السابع عشر. ‏

كيف تتم هندسة الرأي يا ترى؟ ولماذا؟ إن النخب الحاكمة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً تستفيد من أول  ‏تجربة لتوجيه الرأي العام والدعاية في الولايات المتحدة، لقد كان ذلك في العالم 1916 في خضم  ‏الحرب العالمية الأولى يوم كان يحكم الولايات المتحدة الرئيس ((وودرو ويلسون)) فقد كان الشعب  ‏الأميركي يومها، نزَّاعاً للهدوء واللا عنف، وتنادي أغلب شرائحه بالانكفاء الداخلي وبناء المجتمع  ‏والعيش بهدوء، دون التورط في أي نزاعات خارجية، خاصة في أوروبا.‏‎ ‎لكن الإدارة كانت قد التزمت بالمشاركة في الحرب في الوقت الذي فاز ويلسون بالرئاسة وهو يحمل ‏‏ شعار (سلام دون انتصار). إذاً فما الحل؟‎ ‎لقد كان الحل في الدعاية والإعلام، وفعلاً شنت أجهزة الحكومة تحت رعاية لجنة عرفت باسم (لجنة  ‏كريل) حملة لمدة 6 أشهر متواصلة، استخدمت فيها التقنيات الإعلامية كاملة لإثارة (الرعب الأحمر) ‏‏ الهستيري لدى الشعب، حيث بدأت وسائل الإعلام في تخويف الأميركيين من ألمانيا وإرهابهم منها، وتصويرها على أنها الرعب الأكبر القادم لتحطيمهم ومحوهم من الوجود، مما أثار تعصبهم وشوفينيتهم  ‏الكاملة، وجعلهم يندفعون بجنون نحو المطالبة بالحرب، لتمزيق ألمانيا إرباً إرباً.‏‎

 ‎لقد عرضت صور مختلفة لأعمال وحشية قام بها الألمان، وصور لأطفال بلجيكيين ممزقي الأشلاء ‏‏ وأمور مروعة أخرى.. وبالفعل، فقد تحول الشعب النزَّاع للهدوء واللاعنف، إلى شعب يطالب بالحرب‏ وبشكل هستيري.. لقد نجح مهندسو الرأي في تحويل الرأي بطريقة مثيرة، تعلَّم منها هتلر فيما بعد  ‏وتعلَّم منها سواه كذلك. ومازالت الديموقراطية الأميركية الحرة تطبق الدرس نفسه حتى هذا اليوم.‏‎ ‎أضافت الولايات المتحدة للدرس نقاطاً أخرى بعد هزيمة فيتنام ومعارضة الأميركان لاستخدام القوة  ‏العسكرية ضد الآخرين مجدداً، فقد صار لزاماً السيطرة على الشعب، بحيث لا يفكر في تنظيم نفسه  ‏والمطالبة بالتدخل في السياسة، كذلك إيقاف نزعة الشعب بشأن فكرة العزلة، وعدم استخدام القوة  ‏العسكرية باعتبارها مغامرة عسكرية تقوم على القتل وتعذيب الآخرين.‏&lr
X
تساعدنا ملفات تعريف الارتباط في تحسين تجربة موقع الويب الخاص بك. باستخدام موقعنا، أنت توافق على اسخدامنا لملفات تعريف الارتباط.