ضفاف
بقلم : علي عبيد
خذوا الحكمة من "باريس هيلتون"

هذا هو العنوان الأكثر إثارةً الذي لفت نظري وأنا أتابع، مثل غيري من بقية خلق الله في كافة أرجاء المعمورة، الأخبار التي تدفقت علينا خلال الشهور الثلاثة الماضية عن القضية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، إنها قضية الأيام الثلاثة والعشرين "550 ساعة بالتحديد" التي أمضتها في السجن "باريس هيلتون"، نجمة المجتمع الأميركي وتلفزيون الواقع وريثة الأسرة المالكة السابقة لسلسلة فنادق هيلتون العالمية .
فقد كان من ضمن الأخبار المتواترة التي كانت تطيرها لنا وكالات الأنباء أولا بأول عن "باريس هيلتون" بعد خروجها من السجن الذي أثار جدلاً لم ينته حتى الساعة، وسيبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، أنها وجهت رسالة عبر موقعها على الإنترنت جاء فيها:"لا تقودوا سياراتكم وأنتم سكارى"، وذلك بمناسبة عيد الاستقلال الأميركي الذي صادف الرابع من يوليو، وجاء في الرسالة أيضا:" تذكروا أن تكونوا مسؤولين أثناء قيادتكم سياراتكم" .
جاءت الحكمة إثر خروج "هيلتون" من السجن بعد أن نفذت حكم المحكمة الذي صدر بعد أن ألقي القبض عليها وهي تقود سيارتها تحت تأثير الكحول وخرقها لقرار يمنعها من القيادة· وكان من الحِكَم التي أطلقتها أيضاً قولها إن الوقت الذي أمضته خلف القضبان قد أسهم في تعرفها على حقيقة نفسها· وأكدت أنها مصممة على "حذف كافة العناصر المسيئة من حياتها" معتبرةً إن الحكم الصادر بسجنها، على الرغم من عدم قانونيته حسب رأيها - ينطوي على حكمة إلهية .
هذا هو ما تعلمته "باريس هيلتون" من فترة سجنها· أما ما تعلمناه نحن المتابعين لقضيتها فهو أنه حتى في أكثر الدول ديمقراطية وتطبيقاً للعدالة والقانون، كما يقال لنا، يلقى البعض معاملة خاصة حسب نجوميته. وكشف عن هذا التحقيقُ الداخلي الذي فتحته قيادة شرطة لوس أنجلوس لتحديد ما إذا كانت "باريس هيلتون" قد حصلت على معاملة خاصة أثناء إقامتها بالسجن· ووفقاً لما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز" فقد قال رجال شرطة إنه تم السماح لها باستخدام هاتف جوال بدلاً من الأجهزة العمومية الموجودة في السجن، وأنها تلقت زيارات يومية من قبل المكلفين بإدارة السجن الذين كانوا يحضرون لها شخصياً بريدهاً، فضلاً عن كونها تمتعت ببدلة جديدة تماما خلافاً لما تشدد عليه اللوائح· وكان قد سبق لإدارة السجن أن تعرضت لانتقادات واسعة عندما أطلقت سراح "هيلتون" بعد ثلاثة أيام فقط من دخولها السجن، إذ سمح لها قائد شرطة لوس أنجلوس بإمضاء مدة عقوبتها في منزلها تحت الإقامة الجبرية والمراقبة الإلكترونية لأسباب صحية قبل أن يأمر قاضٍ بإعادتها إلى السجن لتنفيذ بقية العقوبة .
ترى "باريس هيلتون" أن الحكم الذي صدر بسجنها غير قانوني، كما يرى قائد الشرطة الذي سمح لها بالذهاب لتنفيذ بقية العقوبة في بيتها أنها تلقت حكماً أقسى من الحكم، الذي كان سيحصل عليه إنسان عادي في الأحوال المشابهة· أما نحن، فنرى أنه من حق "هيلتون" أن تعترض على الحكم وتتحفنا بحِكمها النفيسة، وأن من حق رئيس شرطة لوس أنجلوس أن يبدي تعاطفه معها ويجد لها من الأعذار ما يجعله يعاملها معاملة خاصة، ولكن من حقنا نحن أيضا أن نتساءل:"تُرى، لو كان المقبوض عليه ذا ملامح شرق أوسطية، هل كان سيعامل المعاملة نفسها؟ وهل كان سيجد من يتعاطف معه ويعامله معاملة خاصة؟ وهل كان سينجو من الاتهام بالإرهاب والتعصب الديني حتى لو قُبِض عليه مخموراً؟!" .
مجرد أسئلة نطرحها ولا ننتظر إجابة عنها لأننا نعرفها مقدماً· تقدمها لنا السجون العابرة للبحار والقارات، التي تتكشف فضائحها يوماً بعد يوم، وليس ثمة من يقيم الدنيا ويقعدها، أو يعترض، أو يحرك ساكناً، أو يتحفنا بحكمة واحدة، تقنعنا بعدالة ما يجري فيها وحولها .
X
تساعدنا ملفات تعريف الارتباط في تحسين تجربة موقع الويب الخاص بك. باستخدام موقعنا، أنت توافق على اسخدامنا لملفات تعريف الارتباط.