ضفاف
الطفل·· الصورة·· والمناسبة
كان طفلاً من أطفال تلك المرحلة التي يسميها (ذهبية)· لم تكوِّن شخصيته وتخالط خيالاتِه حكاياتُ ( هاري بوتر )ولا مغامرات الأبطال الخوارق أمثال ( سوبرمان ) و( باتمان )و( سبايدر مان )· أقصى ما تأثر به خلال مرحلة طفولته الأولى لم يتعد حكايات الجدات في ليالي الصيف المقمرة· تلك التي لم تكلّ الجدات من روايتها ولم يملّ هو وأقرانه من استعادتها منهن كلما أزِفَ موعد النوم وداعب النعاس عيونهم·
هو لا ينكر أن طهارة تلك الأيام مازالت تشكل حائط الصد الأول لغارات الزمن التي توالت على حياته بعد ذلك، وأن حبل الحنين مازال مشدوداً إليها، وأن كفتها هي الراجحة دائماً كلما عقد نوعاً من المقارنة بينها وبين ما جاء بعدها· ومع ذلك فهو يدرك تماما أن القطار الذي يركبه ذو اتجاه واحد، وأن أي تفكير في الرجوع إلى أيٍّ من محطاته التي عبرها هو نوع من الانسلاخ عن واقع لا مفر من التعايش معه، وأن أيَّ محاولة لفعل شيء من ذلك ستؤدي إلى انفصام هو في غنى عنه إذا أراد أن يحافظ على توازنه·
يستعيد في ذروة إحساسه بالزمن الجميل وحنينه إليه لحظات رائعة كم يودُّ لو أسعفته الذاكرة فأعانته على رسم تفاصيلها الدقيقة مثلما تفعل ريشة رسام ماهر وهي تبرز أدق الأشياء لتظهر براعته· حتى الأصوات تحجز لها مكاناً في الذاكرة عندما تكون الصورة محفورة هناك في أعماق القلب، تحتل مساحات من الوجدان شاسعة، تشكل الخلفية الأعمق لكل الصور التي ستأتي بعدها، والواجهة الأجمل لكل الصور التي انطبعت قبلها· فأيّ صورة هذه التي يمكن أن يكون لها كل هذا التأثير والأثر؟ وأي تأثير هذا الذي يمكن أن تحدثه صورة مهما كان جمالها وروعتها؟ إنها دون شك صورة تختزل الزمان، وتستحوذ على كل مساحات الجمال، و تحتوي كل المعاني النبيلة التي تزخر بها الحياة·
تلك هي صورة الثاني من ديسمبر التي شكلت وجدان طفل الأمس، ومازالت تضفي جمالاً على النفس بعد ثلاثة عقود ونصف من الزمن، لم يعد بعدها الطفل طفلاً، ولم تعد الحياة كما عرفها بكراً· تغيرت معالم المكان كثيراً، وتغيرت حسابات الزمان أكثر· شيء واحد فقط هو الذي لم يتغير؛ إنها الروح التي بثتها تلك الصورة في وجدان ذلك الطفل يوم أن كان طفلاً فحافظت على روحه التي لم تغيرها الأيام حتى لو تغيرت ملامح كثيرة فيه وحَوْلَهُ بفعل عامل الزمن ودوران عجلة الحياة التي لا تتوقف·
غادر ذلك الطفل مرحلة الطفولة، ولم يَعُدْ يحلم بحكايات الجدات، ولا يحفل بمجموعات النجوم التي كان يتسابق مع أقرانه لمعرفة أسمائها في ليالي الصيف المقمرة تلك التي لم يَعُدْ لها هي الأخرى وجود في عصر غابات الإسمنت وناطحات السحاب التي حجبت السماء عنها، ولا عاد يحصي عدد الأحلام التي تحققت وتلك التي لم تتحقق· شيء واحد فقط لم يغادر ذاكرته ولا وجدانه؛ إنها تلك الصورة الجميلة التي انطبعت في ذهنه، وهاهو اليوم يستعيدها في ذكرى المناسبة؛ مناسبة تحقيق أهم حلم في حياته وحياة أبناء هذه الأرض؛ يوم أن رأوا دولتهم المتحدة واقعاً يعيشونه، يغير لهم معالم صورة الماضي لينقلهم إلى صورة أزهى، صورة لم يعش مراحل تحولها جيل الأبناء الذي ولد داخل إطار الصورة وليس خارجها·
اليوم يعود طفل الأمس الذي لم يعدْ طفلاً ليروي لأبنائه قصة تلك الصورة التي انط
