ضفاف
علي عبيد
الأكثر حماقة
اعتبر أكثر من 56% من النمساويين أن وزيرة الصحة وشؤون الأسرة "اندريا كدولسكي" هي الأحق بحمل لقب"أكثر النمساويين حماقة" بجدارة ودون منازع، إذ ابتعدت عن أقرب منافسيها بنحو 13% من مجموع 100 ألف صوت·
وشارك في الاستفتاء، الذي أجرته الشهر الماضي صحيفة "الكورونه" النمساوية اليومية، نحو 100 ألف مشارك، اعتبر أكثر من نصفهم أن الوزيرة من أكثر الشخصيات العامة في البلاد ( حماقة وإثارة للإزعاج والغيظ بصورة فاقت الآخرين ) ويعود ذلك إلى أن الصورة التي رسمتها الوزيرة لنفسها لا تليق بمسؤول يمثل حزباً تقليدياً محافظاً، ولكونها المسؤولة الأولى عن الأسرة وصحتها في النمسا·
واعتبر المصوتون أن"كدولسكي" ظهرت في وسائل الإعلام منذ تعيينها في 11 يناير 2007 أكثر مما ظهر رئيس الوزراء نفسه، إلا أن أغلب هذه الصور عكست تصرفات غير لائقة· ومثال على ذلك، أول صورة عامة ظهرت لها بعد تعيينها بأيام فقط، وهي تلتهم بشراهة، طبقاً عامراً بكمية ضخمة من اللحوم، مع قولها: ( إنها تحب المشويات). تبعت ذلك صور متعددة للوزيرة وهي تدخن، أو ترقص شبه مخمورة في حفلات عامة· أما الأسوأ، فكانت مشاركتها، وهي تتبختر بوزنها الزائد، وسط عارضات محترفات من نوعية ناعومي كامبل وهايدي كلوم، وذلك ضمن برنامج "لايف بول"، وهو حفل موسيقي سنوي يرتاده مشاهير عالميون ومثليون في ماكياج صارخ وملابس "تكشف أكثر مما تستر" في دعوة متطرفة لمزيد من الحريات الشخصية·
هذه بعض المبررات التي دعت النمساويين لاختيار وزيرة الصحة وشؤون الأسرة في بلدهم الديمقراطي الحر، المنفتح على جميع الثقافات، للقب"أكثر النمساويين حماقة، مع اقتراب السنة من نهايتها، وازدهار سوق الاستفتاءات والألقاب والتوقعات التي سوف تتساقط علينا كالمطر خلال هذا الشهر، وحتى يطوي العام أوراقه ويرحل عنا، ليحجز له مكاناً في سلة الذكريات الحلوة والمرة·
وبعيداً عن الأسس التي اختار على أساسها النمساويون أكثرهم حماقة ،ماذا لو فكرنا نحن العرب في اختيار أكثرنا حماقة ما دامت سوق الاستفتاءات قائمة قبل أن يلملم العام بقاياه وتغلق السوق أبوابها تمهيداً لجرد بضائعها؟، إذ ربما خرجنا بنتيجة تفيدنا في القادم من أعوامنا طالما أننا لم نعِ دروس الأعوام السابقة لنتلافى المآسي اللاحقة، وطالما أننا لا نزال نقع في الأخطاء نفسها، ونتذرع بالمبررات نفسها، ونلقي باللائمة على الظروف نفسها؟
هل هم أولئك الذين رفعوا شعارات لم نجد لها ظلاً على أرض الواقع فوقعنا في شراكها؟ أم هم أولئك الذين خاضوا بنا حروباً لم نجد مبرراً لها فاكتوينا جميعاً بنيرانها؟ أم هم أولئك الذين أدخلونا أنفاقاً لم نعرف كيف نخرج منها ولم يعرفوا هم كيف يُخرِجون أنفسهم، فقبعنا معهم أعواماً في غياهبها؟ أم هم أولئك الذين جروا بنا خلف سراب حتى جفَّت حلوقنا فأقمنا في المتاهة معهم عطشى؟ أم هم أولئك الذين خدعونا فانخدعنا بهم ولهم حتى غدت الخديعة جزءاً من تكويننا؟ أم هم أولئك الذين استعْدَوا العالم كله علينا وما زلنا نسميهم أبطالاً وندعو لهم في ركوعنا وسجودنا وقنوتنا؟ أم هم أولئك الذين جنحوا بنا إلى اليمين حتى شُلَّت يميننا ولم نعد قادرين على رفعها؟ أم هم أولئك الذين ذهبوا بنا إلى أقصى اليسار حتى فقدنا يسارنا وعدنا مُعدَمين لا نلوي على شيء من أرزاقنا،؟أم هم الذين قتلوا فينا الحس فلم نعد نشعر بكرامتنا؟
أسئلة كثيرة، لو طرحناها على أنفسنا لوجدنا لها ألف جواب وجواب، ولاحترنا في اختيار "الأكثر حماقة" بيننا؛ أتُراهم أولئك الذين ساقونا كالخرفان أعواماً، أم نحن الذين انسقنا خلفهم كل هذه الأعوام عميانا؟
